ترى نسرين مالك، كاتبة الرأي في صحيفة «الجارديان»، أن الهجوم الأخير الذي شنّه الحوثيون على السعودية قد تكون تداعياته على المنطقة أكثر كارثية مما يتصوره العالم، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتآكل منظومة الأمن التي اعتمدت عليها دول الخليج لعقود.


ووفقًا لما أوردته صحيفة «الجارديان» في مقال رأي نشرته نسرين مالك، دخل الخليج خلال العام الماضي مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، تبدو دائمة ويصعب التراجع عنها. وقد يبدو هذا التوصيف مبالغًا فيه، بالنظر إلى أن أعداد الضحايا لا تزال أقل نسبيًا من تلك المسجلة في غزة وإيران، لكن التآكل التدريجي للسلام والأمن في السعودية وقطر والإمارات غيّر المنطقة بصورة أعمق مما يرغب قادتها في الاعتراف به.


وشنّ الحوثيون، يوم السبت، هجومًا صادمًا وداميًا على العاصمة السعودية الرياض. وحتى وقت كتابة المقال، أسفر القصف الصاروخي الذي استهدف مطار الملك خالد الدولي عن مقتل 13 شخصًا على الأقل وإصابة 300 آخرين، في تطور مفصلي ضمن صراع إقليمي يزداد اشتعالًا. وكان ذلك الهجوم الأكثر دموية على دولة خليجية منذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما على إيران في فبراير. ونظرًا إلى أن السعودية لم تعتد سقوط هذا العدد من الضحايا، فإن الحصيلة المرتفعة تثير ذهولًا واسعًا، وقد تدفع الرياض إلى رد عسكري عنيف.

 


انهيار المظلة الأمنية الأمريكية وتآكل استقرار الخليج


بدأت التحولات الكبرى قبل أكثر من عام، عندما أطلقت إيران صواريخ على قاعدة جوية في قطر تستضيف قوات أمريكية، ردًا على الضربات الأمريكية التي استهدفت منشآت نووية إيرانية. وأضاءت الصواريخ سماء الدوحة، فيما تناثرت الشظايا في مشهد أثار القلق لدى القطريين، الذين سعوا إلى الحفاظ على علاقات جيدة مع طهران. ومع ذلك، أحاط بالهجوم قدر من التنسيق والتمهيد المسبق، ما أشار إلى أن إيران كانت تحاول اتخاذ خطوة تحفظ ماء الوجه.


لكن إسرائيل استهدفت لاحقًا، في سبتمبر 2025، قادة من حركة حماس في الدوحة، من دون تحذير مماثل أو ترتيبات مسبقة، ما أسفر عن مقتل خمسة فلسطينيين ومواطن قطري. وشكّل ذلك بداية انهيار أحد الأعراف الراسخة في المنطقة، وهو الاعتقاد بأن حياة سكان الخليج وسيادة دولهم تتمتعان بقدر من الحصانة، بفضل إدارة العلاقات مع إيران والتحالفات الأمنية مع الولايات المتحدة.


ثم جاءت الحرب التي شنّها دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو على إيران، لتدفع دول الخليج إلى قلب المواجهة بصورة نهائية. وردًا على ما تعتبره طهران دعمًا سياسيًا وعسكريًا ولوجستيًا للهجوم عليها، استهدفت إيران السعودية وقطر والإمارات والبحرين والكويت وعُمان.


وطالت الضربات مواقع عسكرية ومنشآت للطاقة ومحطات لتحلية المياه، أي البنية التحتية التي تقوم عليها اقتصادات هذه الدول. كما خلّفت تداعيات واسعة نتيجة تعطيل مظاهر الحياة اليومية، وإغلاق المدارس لأشهر، وتعليق الرحلات الجوية وإغلاق المجالات الجوية.


لكن أكثر النتائج كارثية، من وجهة نظر حكام الخليج، تمثلت في اضطراب اندماج دولهم في المجتمع الدولي بوصفها وجهات عالمية للسياحة وريادة الأعمال والرياضة والترفيه. فقد أنفقت هذه الدول مليارات الدولارات لاستضافة سباقات الفورمولا 1، واستقطاب بطولات الجولف والملاكمة وامتيازاتها التجارية، قبل أن تهدد طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة هذه الاستثمارات والطموحات برمتها.


وأدى ذلك إلى تفكك متزايد أعاد إشعال خصومات إقليمية ظلت خامدة لفترة طويلة. فقد اندلعت الحرب الأهلية اليمنية عام 2014، عندما سيطر الحوثيون المدعومون من إيران على العاصمة صنعاء، سعيًا إلى توسيع نفوذهم وتحقيق قدر أكبر من الحكم الذاتي في المناطق ذات الغالبية الشيعية.


وفي عام 2015، قادت السعودية تحالفًا عسكريًا شن حملة عنيفة لطرد الحوثيين من المناطق التي سيطروا عليها، ما فاقم حربًا أهلية طويلة أودت بحياة مئات الآلاف وتسببت في كارثة إنسانية. وانحسر القتال عام 2022، عقب نشوء تقسيم فعلي غير رسمي للبلاد بين الحوثيين والحكومة المعترف بها دوليًا والمدعومة من السعودية، ثم أعقب وقف إطلاق النار تقارب سعودي إيراني.

 


عودة الحوثيين إلى التصعيد وتهديد الملاحة في البحر الأحمر


فتحت الحرب على إيران عام 2026 المجال أمام فرص استراتيجية جديدة، وأعادت تحريك الولاءات السياسية، ما أدى إلى تصاعد تحركات الحوثيين في اليمن. فعلى سبيل المثال، دفع إغلاق مضيق هرمز مزيدًا من حركة التجارة إلى المرور بمحاذاة الساحل اليمني، الأمر الذي شجع الحوثيين على التقدم والسيطرة على أراضٍ جديدة بهدف إحكام قبضتهم على مضيق باب المندب، الذي ازدادت أهميته الاستراتيجية في البحر الأحمر.


وبلغت التوترات ذروتها بعد خمسة أشهر من اندلاع الحرب، عندما كثفت السعودية ضرباتها ضد الحوثيين، فيما قصفت الحكومة اليمنية المدعومة من الرياض مدرج مطار صنعاء لمنع طائرة إيرانية من الهبوط فيه.


ولا تقتصر هذه التطورات على استغلال جماعة مسلحة للظروف الراهنة لتعطيل مسار صراع أوسع بين إيران والغرب. فعلى الرغم من الدعم الإيراني للحوثيين، فإنهم ليسوا مجرد وكلاء يتحركون وفق أوامر طهران، بل يمتلكون طموحات داخلية وعداوات إقليمية عميقة، خصوصًا تجاه آل سعود، الذين يرونهم قوة متعالية ومتعجرفة لن يخضعوا لها أبدًا.


وقال مسؤول حوثي بارز إن هجوم السبت جاء «حتى يفهم العالم» أن البنية التحتية المدنية اليمنية تعرضت، ولا تزال تتعرض، للاستهداف السعودي. ويعكس هذا التصريح اعتقاد الحوثيين بأن الرياض تتعامل مع أرواح اليمنيين باعتبارها رخيصة.


ومن زاوية أخرى، تمثل التطورات الراهنة إحدى النتائج الإضافية لهجمات حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر، وما أعقبها من حرب في غزة وامتداد المواجهة إلى لبنان وإيران. وترى مالك أن آخر العناصر التي حافظت على التوازن الهش في المنطقة انهارت عندما قرر ترامب أن أمن حلفاء الولايات المتحدة في الخليج يأتي في مرتبة أدنى من مغامرته العسكرية ضد إيران، التي وصفها بأنها «جولة» أو «مغامرة». عندها اتضحت حدود الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية، سواء للحلفاء أو للخصوم.


وفي الشهر الماضي، رفضت إدارة ترامب تمديد المساعدات العسكرية للسعودية في حربها ضد الحوثيين، عقب اجتماع مسؤولين أمريكيين مع ممثلين عن الجماعة، أكدوا خلاله أنهم لن يستهدفوا السفن الأمريكية في البحر الأحمر، بل السفن السعودية فقط.


وتواجه السعودية الآن حربًا طويلة ومعقدة ضد خصم يمتلك الموارد والدوافع الأيديولوجية والقدرة على تحمل الخسائر، على نحو يصعب على الرياض مجاراته من دون توجيه البلاد بأكملها نحو الحرب. وإذا كانت الحملة العسكرية التي بدأت عام 2015 مؤشرًا لما قد يحدث، فمن المرجح أن تحصد المواجهة آلاف الأرواح، مع بقاء فرص تحقيق نصر حاسم محدودة للغاية.

 


الخليج عالق بين تحالفات قديمة وخصومات متصاعدة


تجد السعودية، ومعها منطقة الخليج بأكملها، نفسها منغمسة بصورة أعمق في دوامة صراع لا تهدأ. فلا يستطيع ترامب إنهاء الحرب على إيران، ولا تزال غزة جرحًا مفتوحًا، فيما تواصل إسرائيل شن الضربات واحتلال أجزاء من الأراضي اللبنانية.


ويمثل تجدد قوة الحوثيين واقعًا جديدًا في منطقة يزداد فيها الارتباك، وتتفاقم خسائر الأرواح ورؤوس الأموال، بينما تجد دولها نفسها عالقة بين تحالفات قديمة لم تعد توفر الحماية المأمولة، وعداوات جديدة تنطوي مواجهتها على عواقب كارثية.


وتخلص مالك إلى أن قادة الخليج لم يعودوا قادرين على التعامل مع التحالفات التقليدية باعتبارها ضمانة ثابتة للأمن والاستقرار. فالتصعيد المتواصل، من الحرب على إيران إلى عودة الحوثيين للمواجهة مع السعودية، يكشف أن المنطقة دخلت مرحلة مختلفة، تتراجع فيها قدرة الترتيبات الأمنية السابقة على احتواء الأزمات، وتزداد فيها مخاطر الانزلاق إلى صراعات أوسع يصعب التنبؤ بنهايتها.

 

https://www.theguardian.com/commentisfree/2026/oct/12/gulf-new-era-instability-alliances-houthi-rebels-saudi-arabia